القاضي التنوخي
325
الفرج بعد الشدة
فقيل لي : اليوم الشعانين « 14 » ، يخرج فيه أهل الظرف واللعب ، بالطعام والشراب ، والقيان إلى الأبلّة ، فيرون [ 240 م ] النصارى ، ويشربون ، ويفرحون . فدعتني نفسي إلى التفرّج ، وقلت : لعلّي أصل إلى أصحابي ، أو أقف لهم على خبر ، فإنّ هذا من مظانّهم « 15 » . فقلت لحمّي « 16 » : أريد أن أنظر إلى هذا المنظر . فقال : شأنك وما تريد ، فأصلح لي طعاما ، وشرابا ، وسلّم إليّ غلاما وسفينة . فخرجت وركبت السفينة ، وبدأت بالأكل ، ثم قدّمت آنية الشراب ، وجلست أشرب حتى وصلت الأبلّة ، وأبصرت الناس وقد ابتدأوا ينصرفون . فإذا بالزّلال بعينه ، في أوساط الناس ، سائرا في نهر الأبلّة ، فتأمّلته ، فإذا أصحابي على سطحه ، ومعهم عدّة مغنّيات . فحين رأيتهم لم أتمالك فرحا ، فطرحت إليهم ، فحين رأوني عرفوني ، فكبّروا ، وأخذوني إليهم ، وسلّموا عليّ . وقالوا : ويحك ، أنت حيّ ؟ وعانقوني ، وفرحوا بي ، وسألوني عن قصّتي ، فأخبرتهم بها ، من أوّلها إلى آخرها ، على أتمّ شرح . فقالوا : إنّا لمّا فقدناك [ 295 غ ] في الحال ، وقع لنا أنّك بالسكر وقعت في الماء فغرقت ، ولم نشكّ في ذلك ، فخرّقت الجارية ثيابها ، وكسرت العود ، وجزّت شعرها ، وبكت ، ولطمت ، فما منعناها من شيء من هذا .
--> ( 14 ) الشعانين ، والسعانين : عيد من أعياد النصارى ، يحلّ يوم الأحد الذي قبل الفصح ، والكلمة عبرانية : هو شيعة نا ، أي خلّصنا ( المنجد ) . ( 15 ) المظانّ ، والمفرد مظنّة : الموضع الذي يظنّ وجوده فيه . ( 16 ) الحمو ، أبو زوج المرأة ، وأبو امرأة الرجل ، وحمو : من الأسماء التي تعرب بالواو رفعا ، وبألف نصبا ، وبالياء خفضا ، ولا يكون إلا مضافا ، تقول : هذا حموه ، ورأيت حماه ، ومررت بحميه .